|
وهي تتسابق لخدمة زوار ابي عبد الله
الحسين ( ع )
المواكب الحسينية في النجف الاشرف تضحيات ومعجزات
وكرامات
استطلاع / اسعد المطيري
الحسين (ع) ذلك النبع الذي مازال
دفاقا، وتلك الشعلة التي لم تنطفئ على مر السنين ، والصرخة التي أيقظت
ضمير العالم ، والقوة التي استمد منها شجعان العالم القوة والعزيمة ،
والنور الذي يضيء عتمة الخوف في النفوس ومنهج الثورات في الرفض
والانتفاض على الظلم والطغيان ، كان الحسين (ع) بيرقا أينما حل اسمه،
وعنوانا بارزا من عناوين الصمود والتضحية والجهاد والفداء والنضال ،
وبقيت (لاؤه ) ممتدة منذ تاريخ أول سهم رمي في كربلاء إلى آخر سهم
وعبوة وسيارة مفخخة في العالم ضد الأبرياء ، هذه (اللا ) التي رسمت
خريطة التضحية والوقفة الشجاعة ، ومع استمرار تلك المضامين في الثورة
الحسينية التي تستمد منها الإنسانية خطوط الإقدام والاندفاع يستمر
إحياء الشعائر الحسينية في كل بقعة من العالم...
فالحسين (ع) ليس لطائفة من دون أخرى، وليس للإسلام وحده من دون باقي
الأديان ، الحسين للإنسانية جمعاء ، وفي النجف الاشرف تلك المدينة
المسورة بحب علي (ع) والمحاطة بالقداسة والهيبة، وهي تضم ضريح إمام
الثقلين ويعسوب الدين تراها في أيام عاشوراء، وهي تتشح بالسواد ويخيم
الحزن على أرجائها ، وفي هذه المدينة أسست أولى المواكب الحسينية
لإحياء الشعائر في محرم الحرام وفي ذكرى عاشوراء قبل مئات السنين ،
ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم مازالت مستمرة على ذات النهج بالرغم من كل
ما مر بها من منع واعتقال وإعدام ، وفي هذه السنين بعد انجلاء الغمامة
السوداء التي خيمت على العراق لعشرات السنين ترى المواكب قد استعادت
نشاطها بأضعاف مضاعفة، وهي تتسابق في ما بينها لنيل شرف قبول الأعمال
لدى الإمام الحسين ( ع) .
بين الأمس واليوم
تحدث ألينا أولا الأستاذ سعد مكي أبو اصبيع من موكب طرف المشراق قائلا
: أسس هذا الموكب الحسيني عام 1951م من قبل عشيرة أبو اصبيع ، وكان
بقيادة الحاج احمد عباس أبو اصبيع، وتولى الأمر من بعده الشهيد فاضل
احمد أبو اصيبع، واستمر هذا الموكب الحسيني في تقديم الخدمات داخل
النجف، وعلى طريق كربلاء في الأربعينية منذ ذلك التاريخ إلى الآن ،
وهذا الموكب من جملة المؤسسين لمواكب عزاء النجف الاشرف في كربلاء ،
وفي عشرة محرم يستمر بتقديم الخدمات للزوار، ويقدم وجبة أكل لما يعادل
يوميا ألف نفر، وحاليا الموكب بقيادة الحاج عباس ابو اصبيع ابن الحاج
احمد ، ومصدر التمويل من العشيرة حيث استمرت على هذا النهج منذ عام
1951 م ولحد الآن ، وفي مدة المنع في زمن الحكومات الظالمة اقتصر عملنا
على إقامة التعزية ثم استعمرينا في عملنا، ونحن من خلال السنة الكاملة
نقوم بجمع المبلغ لإنفاقه لخدمة زوار ابي عبد الله الحسين (ع).
- قلت ان هناك مدة منعت فيها المواكب، كيف تقارن وضعية الشعائر في زمن
النظام البائد وهذه الأيام ؟
- في زمن النظام السابق كانت الوضيعة محددة، وحين منعت السلطات إقامة
الشعائر أقمناها في البيوت، وفي مضيف العشيرة، وكل ما نحصل عليه من
تبرعات ننفقه في خدمة زوار أبي عبد الله ، اما بعد سقوط النظام فقد
طورنا الموضوع وتوسعنا في الخدمة الحسينية ، ونحن سابقا كنا جالسين في
شارع الهاتف وبعد تطور مركز مدينة النجف عدنا إلى مقرنا الأساس طرف
المشراق حيث كان هذا المكان مقر العشيرة الرئيس ، وتطورت الخدمات
والنفقات في زمن المرحوم الشيخ فاضل حيث زادت النفقات والصرفيات لان
العشيرة كبيرة ، كذلك مساهمة السادة العلماء الأجلاء الذين لم تقتصر
نفقاهم على موكبنا بل على جميع المواكب، ويزورنا يوميا بعض وكلاء
العلماء والسادة وطلبة الحوزة العلمية .
دروس المنبر
وقد حدثت في المواكب معجزات وكرامات عديدة أتذكر منها لن إحدى أقاربنا،
والتي كانت متزوجة من احد الأخيار لا يولد لديها أطفال، وكان زوجها
يشتكي أن أمواله ستذهب سدى لعدم وجود وريث له ، وبعد 9 سنوات حملت بطفل
وولدت، إذ ساهمت في خدمة الزوار في المواكب ، وذلك العمل يجزيه الله
كونه مع النية الصادقة .
- كيف يمكن للمواكب الحسينية ان تقدم رسالة تعبوية في ظل هذه الظروف
التي تمر بها البلاد ؟
- اننا حيثما نجتمع ويجتمع الكبار والعقلاء والمشايخ وأصحاب العقل
والرأي نحث دائما القارئ والخطيب ان يركز على بناء الشخصية المسلمة
والاستفادة من القضية الحسينية ، لان مصيبة الحسين عامة، ولكن الثورة
جملت في مضامينها عددا من الدروس والعبر ، ولذلك فنحن نركز على بناء
الشخصية العراقية ضمن هذا التطور الجديد والبناء الجديد، فمنذ 35 سنة
حكم فيها النظام الدكتاتوري حاول تحطيم هذه الشخصية ، وجعل هذه الشخصية
مغلقة، ونحن نطالب خطباء المنبر الحسيني ان يقيموا الوضع الحالي ويربون
الشباب لينموا تنمية صحيحة لخدمة هذا المجتمع وإبداء المحبة والمودة
بين أبناء البلد الواحد، وان تكون هذه الثورة الحسينية عبرة لمن يعتبر
، وينبغي استثمار هذه القضية استثمارا كاملا، وإلا فما الفائدة من
إقامة شعائر لمدة أيام والخطيب يقرأ على مدار ساعة من دون ان يربي
ويرشد ويهدي إلى السبيل الصحيح ، وقدا اعتلى المنبر في هذا الموكب عددا
من الخطباء والرواديد منهم الشيخ صالح الدجيلي ، ولدينا مجلس تعزي مع
وجبة عشاء او غداء، وبعد عشرة محرم نخرج إلى طريق كربلاء لخدمة الزوار
.
وعن موكب النجف الاشرف شباب زين العابدين يحدثنا حيدر كبون السلامي
قائلا : أسس موكب النجف الاشرف شباب زين العابدين (ع)عام 1991 م في
معسكر رفحاء، ويترأس الموكب الحاج المرحوم كبون السلامي مع مجموعة من
الشباب النجفي، وبعد التأسيس عادوا عام 1993 إلى العراق و باشروا عملهم
، وافتتح المواكب الأول في العراق في مدينة سامراء ، وكان النظام
البائد يمنع الشعائر الحسينية ويضيق الخناق على خدمة الحسين ، وباشر
الحاج كبون "الطبخ" باسم النجف الاشرف وليس باسم شباب زين العابدين،
وكان حوله لطيف من الشباب المضحي يطبخون في مدينة سامراء ثم في مدينة
الكاظمية ثم في مدينة كربلاء المقدسة واستمر الطبخ في المحافظات
المقدسة كافة.
- كيف استطعتم إقامة الشعائر في ظل حكم الدكتاتور لاسيما انكم من معسكر
رفحاء؟
- الحاج كبون منذ صغره حينما كان عمره 15 سنة يطبخ في طرف المشراق وبعد
الانتفاضة الشعبانية حينما غادر العراق إلى معسكر رفحاء، وعاد إلى
العراق شاهد المنع ولا يوجد أي طبخ في محرم لأن الأيام التي أعقبت
الانتفاضة كان النظام يطلق علينا "غوغائيين" فأصر الحاج كبون على
الطبخ، وكان عمره حينذاك 70 سنة اذ كان دائما يردد ان العمر انتهى وحتى
لو أعدموني فإني سأكون فداءً للحسين.
وتجدر الإشارة إلى أن الحاج كبون كان له امتداد في موكب النجف منذ
عشرات السنين، ولكن موكب شباب زين العابدين الذي تولى الحاج إدارته هو
ما نتحدث عنه الآن، وقد عانى ما عانى في سبيل إقامة العشائر لأن الطبخ
هو العلامة المميزة لإقامة الشعائر الحسينية، وكان رجال الأمن في
سامراء يضيقون الخناق عليه ، ولو عدنا قليلاً إلى تأسيس موكب النجف
الاشرف كان الحاج كبون مع الحاج حاتم راضي يجمعون التبرعات من المحلات
حيث كانت بأيديهم (صينية صفر) ورأية يخرجون إلى سوق الصفافير ومحلات
السوق الكبير حيث كانت النجف صغيرة في ذلك العهد ويجمعون (العانات) وهم
حفاة صغار ، ويطبخون في ذلك الزمن "زرده وهريسه" ثم تطور الأمر إلى
الطبخ ، وحينما أصبح عمره 30 سنة أصبح احد رؤساء طرف المشراق واستمر في
العمل ، وفي السبعينيات كانت هناك تحديات كبيرة وأذيع اسمه في معسكر
الرشيد كأحد المطلوبين المحكوم عليهم بالإعدام وتم تهريبه الى البصرة
لأن اسم الشهرة "كبون" بينما اسمه الحقيقي في هوية الأحوال المدنية
حميد حسان وبقي لمدة تسعة أشهر هناك ثم عاد إلى النجف بعد العفو ومارس
عمله واستمر الضغط والمنع حتى وصل الأمر إلى مجلس تعزية فقط عام 1980
وما بعدها .
تحدٍ وإصرار
في عام 1991 انتهى دور موكب طرف المشراق ليؤسس موكب باسم أهالي النجف
في معسكر رفحاء، وعندما عاد إلى العراق التف الشباب النجفي حوله لأنه
مضحي، ولديه عزيمة وتحدٍ، وذهب إلى سامراء ومعه المرحوم حاتم راضي، وتم
استدعاؤهم إلى مديرية امن صلاح الدين وبعد صعوبات ومعاناة كثيرة من
مدير الأمن الذي جرى معه حوار طويل إذ قال لهم إذا كانت لديكم 10
ملايين للطبخ لماذا لا توزعوها على الفقراء وجلبتم لنا "تمن وقيمة" من
أين لكم هذه البدعة من إيران أم من إسرائيل لماذا لا توزعون (لفات)
بدلا عنها ؟ فأجابه الحاج كبون: سأوزع لفات، ولكن ليس في هذا العام بل
في العام المقبل، لأنني اشتريت "تمن ولحم" فكيف أوزعه ؟ فقال مدير
الأمن وزع التمن اللحم نيئا ، فقال له الحاج كبون: إذا دخلت ضيفاً إلى
منزلك هل تعطيني لحماً نيئاً وتمنا غير مطبوخ ، نحن لا نريد منكم
شيئاً، اننا نطبخ ونوزع لزوارنا ولأهل سامراء، وسأل مدير الأمن : ألم
يقرر بوش حصارا على العراق، قال نعم، قال الحاج كبون: إنني أريد ان
اكسر الحصار، وكان الأمر لا يخلو من الخداع، فقال له ما اسمك قال أنا
لست شخصاً واحداً بل 20 إلى 25 موكبا، فقال مدير الأمن عليهم جميعاً ان
يأخذوا إجازة، فقال الحاج كبون: هم جميعهم أولادي، وأنا لديّ مبلغ كبير
وزعته على مواكب كثيرة لتخفيف الازدحام. وكما معروف فإن أهالي النجف
شجعان، ولكنهم أرادوا أحد المضحين فأخذ الحاج كبون زمام الأمور لتصبح
المركزية عنده باسم أهالي النجف.
وحادثة أخرى في كربلاء عندما بدأوا بالطبخ، وقبل الطبخ من الطبيعي ان
يكون هناك نحر، فتم نحر بعير في الشارع، فمر عضو قيادة الحزب المباد
وشاهد الدماء في الشارع، فطلب صاحب الموكب فخرج إليه الحاج كبون، وقال:
الا تعرف ان الذبح والطبخ ممنوع فقال: لا ، فأنا اطبخ في الكاظمية، وهي
قرب الحكومة ولم يمنعني، فهل أمر المنع منكم ام من الجهات العليا ؟،
فقال عضو القيادة: أنت تتكلم بقوة، فقال الحاج كبون: أنا لديّ مدير امن
في النجف وبإمكانك التعامل معه لأنه المسؤول المباشر عني، وأنا الآن
ضيف في كربلاء فقال : لقد وافقنا على الطبخ ولكن بشرط ان تنزل الأعلام
، وكانت ثلاثة أعلام للموكب مع العلم العراقي ، فقال الحاج كبون إذا
أنزلت الرايات يجب ان انزل العلم العراقي معها، فقال: لا ، العلم
العراقي يبقى، فقال: هل أنا مركز شرطة ، أنا أوزع لزوار أبي عبدالله
الحسين (ع) وأنتم تقولون ان الحسين جد صدام، فهل تنزلون رايات الحسين
وتتركون راية صدام، فكانت هذه التخريجة لدفع الابتلاءات حيث كان
الدكتاتور يدعي ان نسبه ينتهي إلى الإمام علي (ع) وتركوه يقيم الشعائر
هناك، ولكن بعد العودة إلى النجف وقع تعهداً في مديرية امن النجف بعد
تلك الحادثة على عدم الطبخ ثانية.
كرامات ومعجزات
- ما ابرز مشاهداتك في المواكب؟
- لقد حدثت بعض الكرامات ، فهناك طفلة جاء والدها يدفع بها بكرسي
معوقين وذهب إلى الحمام، وتركها أمام باب الموكب، وحينما عاد وجدها
واقفة . وموكبنا لا يقدم خدماته للإمام الحسين(ع) في محرم فقط بل على
مدار السنة، ومن ابرز الشعراء والرواديد في طرف المشراف سابقاً الرادود
فاضل، والشاعر عبد الحسين ابو شبع، وعبود غفلة ومن ثم عبد الرضا
الرادود، وفي موكب النجف الاشرف ارتقى المنبر الرادود كريم عاشور،
والرادود حيدر الاعسم، والشعراء ابو محمد المياحي، والسيد سعيد الصافي،
وناظم الحاشي، وسمير صبيح، والمرحوم رحيم المالكي وغيرهم الكثير.
- ماذا أردتم ان تقدموا من رسالة من خلال تأسيسكم لهذا الموكب؟
- نحن أردنا تقديم رسالة للعالم الإسلامي وليس للعراق فقط ، فقد
افتتحنا موقعا خاصا على الانترنت ونريد العالم ان يرى ، فالقضية
الحسينية ليست دمعة فقط ، فالحسين حينما استشهد أراد ان خلد رسالة
الحرية والتضحية، وإنها لم تذهب سدى، ولذلك علينا تخليد رسالة الرجل
العظيم الذي ضحى بماله وعياله وإخوته وأصحابه ونفسه ليمد من ثورته
رسالة للبشر ان يتوحدوا ويصفوا الأنفس وينبذوا العنف والتفرقة
والطائفية، واننا واقفون ضد من يريد ان يطعن بهذه الرسالة الحسينية
وتحويلها إلى حادثة عرضية والحد منها بأقوال واهية والقول إنها ظاهرة
غير حضارية ، ففي طريق كربلاء مثلاً تشاهد الملايين يسيرون على الأقدام
من كل الأصقاع ولم تحدث أي مشكلة بين النساء والأطفال والرجال، وهذا ان
دل على شيء، فإنه يدل على صفاء النية والتوحيد، فالحسين ليس دمعة،
فالقادمون إلى الإمام الحسين (ع) يريدون تجديد روح التضحية والتوحيد
والفداء.
|