الاثنين  8 محرم   1430هـ   العدد(1166) السنة السابعة عشر   Mon 2008/1/5  -17th year

 

قبسات من النهضة الحسينية

جعفر المهاجر

1
من منزلك الطيني
من أوجاع القهر ونزف الجرح
من آهات المذبوحين بسيف البغي
أنت نهضت كرمح شامخ
كشعاع أزلي من طهر الملكوت
وفنار عرى مثوى الجبروت
من أعماق الروح هتفت
مثلي لن يحني أبدا رأسا للطاغوت.
لن تثنيني غطرسة الفجار
وحشود الباغين الأشرار
2
هذا قدر الأحرار
قدر الثوار الأبرار
أرخصت العمر
طويت الأرض
باسم الله وباسم رسول الله
باسم المقهورين المظلومين المسحوقين
نهضت لتطهر أرض الله
من دنس الأوغاد الفجار
3
ياسبط رسول الله
وقرة عينيه الطاهرتين
ياسيد شهداء شباب الجنة
يثرب تشهد
مكة تشهد
والكوفة تشهد
أرض الطف ستشهد
كل الدنيا تشهد في يوم الحشر الأكبر
أنك لن تخرج بطرا أو أشرا
كانت نهضتك أمرا بالمعروف
ونهيا عن منكر ..
صرت البرق الموغل في بحر الظلمات
والسيف الحامل نبض الثوار
ولقد أضحت جبهتك الممهورة بالطهر
مسجد رفض أزلي
يزهر فيه الطلع البري وفجر الثورات
4
الرفقة كانوا قلة
رحلوا في الليل على ضوء النجمة
ساروا فوق العوسج والحصباء
وعلى جمر الرمضاء
كان الصبر مريرا
لكنهم ساروا كالطيف خفافا
أدمى أرجلهم بعد المسرى
شعروا أن الأمل الموعود سيورق
وستخفق رايات العدل
وكأن الشوق الطالع من أعينهم
يحضن كل الأبعاد.
5
( سأمضي وما بالموت عار على الفتى
أذا مانوى حقا وجاهد مسلما
فأن عشت لم أندم .. وأن مت لم ألم
كفى بك ذلا أن تعيش وترغما )
6
في أوج المحنة ناجيت الله
ربي .. يسر لي أمري
واشرح لي صدري
أعرف أني مقتول .. مقتول
لكني لن أغدو أبدا عبدا للطاغوت
أعرف أن الأمة لن تنقذ ألا بدمي
وسأفديها بدمي.
فلقد نخرت في جسم الأمة كل الأسقام
والباغي يرغو بالأثم
وينشر في الأرض الأورام
7
يارب الكون الأعظم
أنت الأول والآخر والعلام
مثلي لن يحني الرأس لدعي فاجر
منتهك لحرم رسول الله
مثلي لن يصبح للأشرار ذليلا
هذا جدي أفضل وأنقى خلقك
وأبي أول من آمن بدينك
وفي بدر وحنين والأحزاب
ثبت الأسلام بسيفه
هو من افنى بيديه الأصنام
أمي فاطمة الزهراء
ريحانة هادي البشرية
وسيدة نساء الكون
ونصارى نجران
عرفوا سر خطيئتهم بأدلتنا
فالذلة ليست منا
من دوحتنا انبثق الطهر
والرجس بعيد عنا
8
يارب الكون الأعظم
هم قتلوا أحفاد رسولك
والظمأ الحارق في أكبادهم يغلي
قتلوهم باسم الأسلام !!!
وهم مازالوا عبادا للأصنام
هم أرجاس ورؤوس للأجرام
وعتاة سفاحون وذباحون
هم قطاعوا أرحام
حتى طفلي عبد الله
لم يسقوه قطرة ماء
ذبحوه بسهم غادر حز وريده
9
آه .. آه .. آه يا ابن رسول الله
عاد الأوغاد المسعورون بشرب الدم
خرج الذباحون من كل ظلام التأريخ
سرقوا الحلم الراقد في الأزهار
زرعوا الشهقات المرة
في صدر الأرض الحبلى بالومضات
باسم كتاب الله ورسول الله.
10
ياسيد شهداء شباب الجنة
أرهقنا هذا الليل الممتد بلا آخر
وحراب الغربة والتشريد تمزقنا
نبت العوسج في أعيننا
وانصلبت كل الآمال بحد الخنجر
ما أقسى أن يشرب من دمنا أعداء الله
ماأنكد أن يغزو هولاكو الأوطان
ياأنقى شهداء الأرض
يامن تحمل بين ضلوعك
بحرا من أحزان
ألمح وجهك ياسبط رسول الله
من وادي الطف يجيئ
كي يجتاز مسافة هذي الردة
هذا سيفك ألمحه
كشواظ من وهج الفجر
يقذف رعبا في كل قلوب الفجار
يلغي الظلمة والأسوار
وأقبية القهر السوداء
فيلوذ به العشق المصلوب
في ساحات المدن الثكلى
وجراح الشهداء.

ليلة الملاك لنزار عبد الستار..
استثمار للاسطـــورة في واقع غـــريب

كريمة باز

ليلة الملاك رواية عراقية لكاتب يثير الانتباه بتقنياته السردية اسمه نزارعبدالستار. هذه الرواية صدرت مؤخرا عن دار ازمنة الاردنية وهي الاولى لكاتبها الذي عرف قاصا، ويعد من المع كتاب القصة الشباب في العراق. ليلة الملاك تمتاز ببنية خيالية – اسطورية توازي بغرابتها ولا معقوليتها واقع العراق المتأزم. البطل فيها شخصية اسطورية يدعى السمارتو وهو انسان مجنح برأس صقر وزي آشوري يحمل دلو قرابين وغصن آس وفيهما تكمن قوته الخارقة. هذا المخلوق الاسطوري مسخ على يد نوح ( آتو نبشتم في الرواية وهو بطل الطوفان في الملاحم العراقية القديمة ) على هيئة صقر وان نوح اطلقه من سفينة المخلوقات ليبحث عن اليابسة بعد انحسار مياه الطوفان لكن السمارتو استشعر قوته وعجائبيته ولم يعد اليه وعاش آلاف السنين في خدمة الملوك والجبابرة وفي خدمة الامبراطورية الاشورية التي ساهم السمارتو باسقاط عاصمتها العظيمة نينوى عمدا من خلال هدم سدود نهر الخوصر واحداث فيضان فيها انتقاما منه لبطشها وغرورها وظلمها. السمارتو عاش في العصور التي تلت ذليلا ومهمشا فتحول الى كائن شرير وشخصية شعبية مهمتها معاقبة الاطفال الذين يغالون في البراءة حد الازعاج الى ان وقع في مصيدة المخابرات الامريكية حيث استخدمه شوارسكوف القائد الامريكي في حرب عاصفة الصحراء. السمارتو العجيب يحتفل كل عام بذكرى ليلة انحسار مياه الطوفان والخروج من السفينة وهو في هذا اليوم يسخر قدراته في خدمة شخص ما فيكون الصبي يونس هو المحظوظ الذي ينال هذه البركة فيعمد السمارتو الى اصطحاب يونس الى مدينة الملاهي ويفتحها له وحده بعد منتصف الليل. ولان مدينة الملاهي تعاني الخراب والاهمال بسبب الحصار والحروب فان السمارتو يقوم باستخدام قدراته العجيبة لتجديدها وجعلها زاهية ومضيئة كيوم افتتاحها لكن السمارتو يصدم بعدوانية الصبي يونس الذي نكتشف انه ترك المدرسة ويعمل ببيع السكائر ويعاني الفقر والحرمان ويتعامل مع الاشياء بمنطق الحرب والاستغلال والجشع فيعمل السمارتو على امتصاص عدوانية الصبي واعادة تأهيل بنيته الطفولية وازاحة آثار الحروب ويشجعه على عقد مصالحة مع الذات والعالم الخارجي ومع الفجر يطير هذا المخلوق العجيب بعد ان يترك ليونس دلو الماء وغصن الاس: الطاقة السحرية التي تخلق الاعاجيب.كاتب هذه الرواية ينجح في ادارة عمله وفي جعل شخصية السمارتو مقبولة وشديدة الواقعية ويستخدم لغة مكثفة ومتعددة الابعاد تنضح شعرا وانسيابية مستفيدا من تقنية الصورة السينمائية وليس عين الكاميرا كما هو معتاد خالقا مشاهد بانورامية فيها حركة واحتدام وتصادم بين الصبي الذي لايعرف قوة كونية هائلة الا قوة امريكا وبطشها وبين هذا الكائن الاسطوري الغريب الذي يضرب بجناحيه ويستخدم الغصن والماء في تحقيق الاحلام ويعاني ازمة نفسية شديدة كونه عذب واهين وعاش عمره تحت وطأة العنف الدكتاتوري التعسفي وغير الانساني. يونس بالمقابل يعمق احساس السمارتو بالخسة والاحتقار فهو يتهمه بالجبن ويظنه ديناصورا امريكيا مفخخا سرعان ما ينفجر بينما السمارتو يحاول جاهدا اقناع الصبي انه كائن شرعي لخوارق شرقية وان مواجهة امريكا لا تتم بالاسلحة وانما بالعودة الى المدرسة ومواصلة الحياة بطريقة مغايرة.القوى الغربية في الرواية تظهر مجسدة بالولايات المتحدة وطائراتها وقدراتها النارية بينما الشرق هنا يبدو مجسدا بالخوارق والاساطير. قوى الشرق المهزومة التي يمثلها السمارتو بشخصيته الشعبية المهلهلة وبخوفه النفسي واتكسار ضميره يمارس مع يونس الطفل دورا تطهيريا فهو يعترف للصبي بكل ما مر ويعده باستثمار امثل للقوى الخارقة وتكون مهمة السمارتو اقناع يونس بالعودة الى مقاعد المدرسة وان يعيش طفولته كما يجب. الراوي العليم يسرد لنا القصة باجوائها الخارقة والسمارتو يسرد ليونس تفاصيل حياته ومعاناته على شكل اعترافات تعطينا قراءة واضحة لمفهوم التاريخ عند نزارعبدالستار فالملك الاشوري اسرحدون ينقلب من دكتاتور وسفاح الى رجل مؤمن يناضل من اجل اعلاء كلمة الرجل الطيب العائد من بطن السمكة ( النبي يونس ) والسمارتو يتعرف في السجن الى الالقاشي الكبير صاحب اللحية الزنخة ( نحوم الالقوشي في التوراة ) الذي يدون قصة الخلق اعتمادا على رواية السمارتو ويحثه على الثورة ضد نينوى التي تسقط في النهاية بخيانة من السمارتو نفسه الذي يرى ان شرها قد كثر ( تقارب في العبارات من مقاطع ترد في التوراة ويتصرف بها الكاتب للدلالة على سير الحدث ). السمارتو الذي يعيش مدة سبعة آلاف سنة تجنده المخابرات الامريكية كي يساعدها في حرب عاصفة الصحراء وهنا يطرح المؤلف مقاربة بين دكتاتوريتين الاولى قديمة والثانية حديثة ولكنه ينحى بالشخصية نحو اجتراح مفترق جديد يتمثل بالايمان ان الجيل الجديد اذا ما تطهر من عقدة الماضي واستثمر قواه فانه سيصنع الخوارق ويحقق العدالة.الرواية تحاكم الماضي القديم باعتباره الاساس الحضاري وهي تختار من هذا الماضي مفهوم السلطة المطلقة والعنف وتقارن بين قوة تعتمد الخوارق والارث الاسطوري وبين قوة معادية اخرى تستخدم جبروت السلاح والتقنيات الحديثة وساحة هذا الصراع العراق. الارض التي احتوت اخطر التناقضات واغربها. جديد هذه الرواية يتمثل في انها انحرفت بالخوارق عن كونها ارثا معزولا الى اظهارها كواقع معاش وهذا يحسب للكاتب الذي عمل على انتاج اسطورته الخاصة وجعلها مدعومة بالحقيقة التاريخية. هذه الرواية تصور لنا من وجهة نظر جديدة ازمة الصراع الشرقي الغربي. ليلة الملاك رواية عراقية فريدة من نوعها في مجمل السرد العربي وهي تكشف عن قدرة مبدعة في استثمار الاسطورة ومزجها بالواقع وهي تعبير ليس عن عمق حضاري فقط وانما عن قراءة شجاعة للتاريخ والواقع العربي في مصغر عراقي.
لا عيب بمن يتوب
علي البغدادي
العراق يكشف عن وجه الوجود
فتنتشي الاكوان
وتنتهي الازمان
وأنبياء الله كلهم شهود
وتصرخ كل اليتامى
بمن ادبر أو تعالى
يشرب حاقداً كاس الجحود
الرعد صرخة موطني
ونبع القداسة معدني
وسماء ذاتي معراج السجود
عزيمتي أنفق الكلمات
لأقطع رأس الحمات
واشتري الحياة بدم يجود
تحت اقدامي النجوم
ولغتي المعارف والعلوم
واسلامي يهدي النصارى واليهود
كنت أطرب للعبادة
فاكرمني الله الشهادة
ولم تزل تخافني كل الاسود
الشمس حضارتي
والعقل ناقتي
أسافر الى قوم مدين أو ثمود
شعوب الارض اولادي
واجيال الغد احفادي
فرمز وجودي سرّ الخلود
لا خير بمن يؤوب
ولا عيب بمن يتوب
العيب بمن ضلّ فلن يعود

تراتيل في محـــــراب العشق

ناصر الحلفي

فزت ورب الكعبة, كلمات لازالت حاضرة في الوجدان الأنساني, قالها أمير المؤمنين وسيد المتقين وقائد الغر المحجلين علي ابن ابي طالب عليه السلام, عندما هوى سيف الغدر على هامته المقدسة حتى في هذه الحظة التي شكلت اخطر حادثة في التاريخ الأسلامي, لكونها اعتداء صارخ على الحق والعدالة والشرعية لكن الأمام مازال يعطينا درسا اخر للحياة ,وقراءة جديدة للوجود حتى في أخر حياته سلام الله عليه وهذا افراز واقعي لحقيقة العلاقة بين علي عليه السلام وبين الله ,هذا العلاقة التي صورها لنا رسول الأنسانية (ص) حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم : « من أحبني فليحبُّ علياً ، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزَّ وجلّ ، ومن أبغض الله أدخله النار»يجب ان نستفيد من هذه الدروس الكبيرة ؟ فقد يفكر أحدنا كيف يقول (ص) عن علي “ع” لا يبغضك الا منافق , ولايحبك الا مؤمن , وصحابة النبي (ص) يعرفون علامة المنافق ببغضه لعلي , لان الظلام لا يمكن ان يجتمع مع النور , والحق لا يلتقي مع الباطل , والاستقامة لا تمزج بالاعوجاج . واذا كان علي “ع” مقياساً, فلابد ان يظل كذلك , نظل نحن نعرض أنفسنا عليه دائماً لنرى استقامتنا , وصدقنا واخلاصنا وجهادنا من خلاله , ففي كل خصلة محمودة بلغ القمة الساحقة , وفي كل فضيلة بلغ الغاية , علي عليه السلام الحق المتجسد على لسان النبي (ص) عندما يقول (الحق مع علي وعلي مع الحق ) وعلي العلم الالهي المتسجد بقول النبي (أنا مدينه العمل وعلي بابها ) أو قوله عليه السلام عن النفسه ,(علمني الرسول ألف باب من العلم ...) وعلي القرآن الناطق , بنص قول رسول الله (ص) : علي مع القرآن ,ومع كل عظمة علي عليه السلام يتواضع معها الذين يعرفون قدر هم , يقول أنا تلميذ محمد (ص) وخادمه , فكيف لنا أن نصف عظمة الرسول الخاتم (ص) . هذا حال علي بن أبي طالب عليه السلام عندما يقول :( الا وان الشجرة البرية أصلب عوداً والروائح أرق جلوداً والنباتات البدوية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً , وانا ورسول الله كالصنو من الصنو , الذراع من العضد), أي هو ورسول الله (ص) من أصل واحد في العمل والطريقة وأسلوب المعيشة , وهذا ما ورد عن رسول الله (ص) قوله : أنا وعلي من شجرة واحدة , وسائر الناس من شجر شتي , لقد افرع هذا الاصل المبارك النبوة في محمد (ص) فكان خاتم وسيد المرسلين عليهم السلام , وافرع الامامة في علي (ع) .

قصيدة النثر من الماغوط إلى القصيدة الشفوية

محمد علاء الدين عبد المولى

 يمكننا بكثيرٍ من الثِّقة والاطمئنان، أن نزعم أن كتابات محمد الماغوط شكَّلت وما زالت، تحدّياً لكثير من (شعراء) قصيدة النثر. والمفارقة أنَّ الماغوط الذي كان يكتب ما يكتبُهُ على أنه (خواطر) لا (قصائد)، (ونحن من المفترض أن نكون على إطلاع على كيفية إطلاق صفة الشعر على كتاباته)، قد حقَّق فرادةً في قضايا “قصيدة النثر” دون أن يدري أو يقصد إلى ذلك في البداية، فرادة ما زالت نصوص كتّاب النثر عاجزةً عن مطاولتها. ويقول محمد جمال باروت بصدد خصوصيّة الماغوط في كتاب (الشعر يكتب اسمه ـ اتحاد الكتاب ـ 1981)، ما يلي: ((لقد استطاع الماغوط بقدرة إبداعية نادرة أن يترجم هذه المشاعر ـ يقصد باروت المشاعر اليوميّة ـ وهذه الحياة فنّيّاً وأن ينقلها من حقل الكلام اليوميّ المتكرر والمستهلك، إلى حقل الكلام الشعري الخصوصي والمتفرّد في مساحة غنائية، مظلّلة بخلفيّة رومنتيكية (نهلستيّة). لقد حقق الماغوط التّوافق الخلاّق مابين التّقنية والتّجربة الداخلية (المضمون). فالتّقنية تستمدّ ملامحها من حقل الكلام اليوميّ، وهذا ما يفسر الألفة والدّفء في جملة الماغوط الشعرية)) .‏ ونضيف على هذا، أن الماغوط لم يكن يعلم أنه يحقّق هذا التوافق بين التقنيّة والتجربة الداخلية، ولم يكن دارياً بكل هذه التّقنية. وهنا تكمن أهميته في هذه اللحظة العفويّة الوحشيّة النَّابعة أساساً من طبيعة تعامله مع الحياة والكتابة، وهي طبيعةٌ مليئةٌ بالفطرة، لهذا لا نتَّفق مع باروت الذي يكتشف في الماغوط ((إنتاجاً فنيَّاً لمشاعر المثقفين البرجوازيين الصّغار في الحياة المدينية المعاصرة)) .‏ إذ لا يمكننا دائماً إلصاق مصطلحاتنا نحن بتجارب بريئة، ونحملها فوق طاقتها من أجل أن تستقيم معنا الأطروحة النَّقدية.‏ ومع إدراكنا لأهمية قراءة أي تجربة إبداعية في علاقاتها بسياقها الاجتماعيّ والفكريّ، نرى أنَّ هناك مبالغةً من صناعتنا نحن، تتعلّق بهذه التَّجربة أو تلك.... وقد تصل المبالغة أحياناً درجة يصبحُ معها النَّصُ معزولاً عن سياقه تماماً، ومحمَّلاً بسياق النَّاقد وحده.( ولاسيَّما إذا استحضرنا من الذاكرة الطَّريقة التي انتسب بها الماغوط إلى تيّار سياسيٍّ دون سواه....).‏ وقد يكون من حقّ أجيال كتّاب (النَّثر) بعد الماغوط، أن يبالغوا في كونه رائداً من رواد أسلوبهم، وأباً إبداعيّاً ارتسمت خطاهم على إيقاع تجربتهِ، وذلك من أجل أن يخلقوا مرتكزاً واقعيّاً يلقون عليه أحمالهم، ويتلمّسوا من خلاله مشروعيّة ما لتجاربهم، فذلك يروق للأبناء عندما يبجّلون الآباء. هذا من ناحيةٍ، ولكن من ناحية أخرى، مارس هؤلاء خيانةً لرائدهم، وقاموا بما يشبه (الاحتيال) على مقامه. ولا أجد أنَّ ما قاموا به، يدخل في علاقة الأبناء بأبيهم الرمزيّ، ورغبتهم بـ((قتل الأب)) لإبراز شخصياتهم بمعزلٍ عن وجوده، أقول إن خروجهم على الماغوط في عمقه لم يكن قتلاً رمزيّاً للأب، بل كان نيَّةً حقّقوها، في كتابة نصوصٍ هابطةٍ ورديئةٍ وتصل درجة واقعيّتها حدَّ الابتذال، ولاسيِّما في مرحلة منتصف السبعينات وصولاً إلى الثمانينات. وأرادوا تبرير نصوصهم بأنها خروج على هيمنة الماغوط واختلاف عنه. وأعتقد أن هؤلاء في أعماقهم لا يقيمون وزناً للماغوط، لكنهم جعلوه (شمَّاعةً) يسوّقون مواهبهم المتدنّية بتعليقها على هذه الشَّماعة. ونحن نعتقد بأن الماغوط ـ على عفويِّته وبراءة طينته الداخلية وطبيعيِّة كتابته ـ لا يريد أن يحدث ما حدث باسم الانتماء إليه، وهو ليس مع الإساءة للشعر استناداً إلى ريادته، ولكن كم من الظواهر الشَّبيهة بالماغوط في حياتنا اليوميَّة على أي صعيد نختاره؟ ألا نتعمَّد دائماً اختراع متاريس سياسية ودينيَّة وإبداعية نحتمي بها وننّظمُ علاقاتنا مع الحياة بناءً على وجود هذه المتاريس؟ في حين أنها بريئة ممّا نصنع في حقّها.‏ علينا إعادة قراءة الماغوط لا بأهدافٍ سيكولوجيّة تخصُّ حاجتنا للاحتماء بأبٍ شرعيٍّ ننقلبُ عليه، أو باختراع هذه الأبوّة لنبرّر الخروج عليها، فنكون بذلك خرجنا على أبوّة مصطنعة هي نفسها لا تدري بأنها ارتفعت إلى مصافّ الآباء. علينا أن نضع أهمية الماغوط في موضعها الطبيعي دون أوهام وادّعاءات. دون أن نرى فيه ما ليس فيه، ودون إسقاط عضلاتنا التَّحليلية، وموسوعة مصطلحاتنا البنيويّة على كتابته، فنكون كمن يكيّف النَّصَّ وفق هذه العضلات والمصطلحات، في الوقت الذي علينا فيه تقريب آليّات نقدنا من النَّصَّ ونختار من أدواتنا ما يساعد في إعطاء الحجم الطبيعي للمبدع.‏

هل كان شكسبير عميلا سريّا ؟

نجم والي / كاتب من العراق يقيم في ألمانيا

يعدّ المؤرخون سنة 1585 القمة التي وصلت إليها حملة ملاحقة أنصار العقيدة الكاثوليكية في بريطانيا، فمنذ تاريخ تولي اليزابيث الأولى عرش المملكة، عملت الملكة جاهدة على تحويل الجزيرة الى الديانة البروتستانتية بشكل مطبق، إذ شرعت قوانين صارمة، يُطارد بموجبها القساوسة، واليسوعيون، وكل أولئك الذين رفضوا التحوّل الى العقيدة الجديدة،ولم يكن من الغريب إذاً أن تضاعف عدد الوشاة الذين وصل بهم الأمر للوشاية بجيرانهم، مثلما تضاعفت العقوبات القاسية بحق المتمردين على العقيدة الجديدة، والتي تجسد معظمها بمصادرة الأراضي، والإبعاد، والسجن، وإنزال عقوبة الموت.في هذا العام بالذات، العام 1585، اختفى ذلك الرجل سبعة أعوام ـ هذا ما يتفق عليه كل كتّاب سيرته ـ الذي سينشر لاحقاً تحت اسم وليم شكسبير، أربعين قصة، وعدداً لا يُحصى من المسرحيات (التراجيدية والكوميدية). أُطلق على تلك المدة: (Lost years)، لأن البحوث المتعلقة بشكسبير وأدبه، لا تعرف شيئاً عما فعله صاحب “هاملت” في هذه السنوات، وأقصى ما يقوله الباحثون حتى الآن، لا يتعدى التكهنات،ولكن قبل مدة قريبة، صدرت في ألمانيا بيوغرافيا جديدة عن حياة شكسبير هدفها ـ كما تقول مؤلفة السيرة ـ توضيح ملابسات هذه السنوات، والبحث في الأسباب التي جعلت صاحب "ماكبث" يختفي، أو يخفي كل أثر له في هذه المدة. صاحبة السيرة التي أثارت النقاش في الأوساط الجامعية والأدبية في ألمانيا، هي هيلغراد هامر شميدت، البروفسورة المختصة بالأدب الإنكليزي، وبالذات أدب شكسبير، في جامعة ماينز. ومما يثير الفضول، هو ان السيدة هيلغراد هاميرشميدت، طبقت من أجل الوصول الى أهداف بحثها، وسائل غير تقليدية بالنسبة لعلماء الأدب، فهي لجأت الى مكتب مكافحة الإجرام الاتحادي في ألمانيا الغربية، لكي يساعدها بملاحقة آثار شكسبير حتى تلك السنة!.. النتيجة التي حصلت عليها، يُمكن أن تثير الحسد عند العديد من زملائها، لأن ما توصلت إليه لم يجرؤ أحد على الادعاء به حتى الآن: ان وليم شكسبير، كان جاسوساً، واشياً، يعمل لمكتب الشرطة السرية التابع للكنيسة الكاثوليكية في روما!، هل هي حمى الاكتشافات الأمنية لطائفة المخبرين من الكتّاب والمثقفين التي هبت رياحها على أوروبا منذ سنوات انتهاء الحرب الباردة هناك، ووصلت إلينا، الى منطقتنا العربية، مع بداية سنوات الحرب الساخنة، لننظر ما حصل لجورج أوريل، أو لقائمة "المثقفين" العرب الوشاة! من الصعب الإجابة على السؤال بسهولة، لأن ما تقدمه البروفسورة الألمانية، يثير الفضول بالفعل، يُمكن قراءته مثل رواية بوليسية.الحقيقة ان النتيجة التي توصلت إليها البروفسورة، تستند الى سوابق، إذ سبق لها ان فاجأت النقاد والمختصين بأدب شكسبير، عندما أعلنت بأن شكسبير على عكس كل سكان جزيرته الآخرين: كان كاثوليكياً. ولكن هل هذا الاكتشاف جديد بالفعل؟.. عدد من دارسيّ شكسبير، صرحوا حينها ان كاثوليكية شكسبير ليست قضية جديدة، وان يكون شكسبير مات وهو من أنصار "البابا"، فيمكن أخذه من مصدر لشكسبير نفسه في العام 1688. إذ تحدث هو نفسه في سونيتاته عن (My outcast state) (وضعي المنبوذ) - على الرغم من ان تلك الجملة يُمكن أن تُفهم بصورة أخرى، وليس بالضرورة أنها تعني "الكاثوليكية"!! - على أية حال، البروفسورة كانت مصرة على نظريتها، لذلك أرسلت كل ما له علاقة بشكسبير وبكاثوليكيته، لمكتب مكافحة الجريمة الاتحادي في ألمانيا، ليس من العجيب إذاً أن تصل الى ضالتها، ويؤيدها شرطة مكتب مكافحة الجريمة الاتحادي في ألمانيا بما ذهبت إليه؛ لأن العقيدة الكاثوليكية كانت الحجر الأساس للتفكير الأوروبي في ذلك الوقت، وبحسب هاميرشميدت، يتحدر شكسبير أصلاً من عائلة كاثوليكية، وتربى على وفق هذه العقيدة، وكان معلماً (من دون إجازة عمل) في بيت كاثوليكي، وانه غادر إنكلترا باتجاه القارة الأوروبية، أي روما، حتى وصل إليها. وفي روما، عاصمة العقيدة الكاثوليكية، تريد البروفسورة إقناعنا بأنها وجدت دلائل تثبت أن شكسبير نام في ملجأ خاص بالحجاج الذين يزورون روما من بلدان بعيدة. على أية حال ـ والكلام للبروفسورة ـ يجب أن يكون المرء أخصائياً بالخط القديم "لكي يتعرف على اسم شكسبير" المكتوب في دفتر الضيوف.. وتتابع السيدة هامير شميدت قائلة ان أغلبية، إن لم يكن جميع سكان الملجأ، كانوا أعضاء مدفوعي الأجر مدى الحياة، لمنظمة سرية من أجل حماية القساوسة الكاثوليكيين؛ هذا يعني، ان شكسبير كان واحداً منهم!.. يجب أن تكون سنة 1592 عودة شكسبير الى لندن، وبداية صعود نجمه، بصفته كاتباً مسرحياً، وأكثر كتّاب زمانه نجاحاً.
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة الاولى

اخبار محلية

اخبار وتقارير

شؤون عربية ومحلية

متابعات وتقارير

قضية ورأي

واحة

هموم الناس

ثقافة وأدب

أفاق اسلامية

الصفحة الرياضية

الصفحة الاخيرة

كاريكاتير

الارشيف

أتصل بنا

حديث بدر
في الصميم
خلف السطور
وقفة
وللحقيقة كلمة
ومضات
العمود الرياضي
أتصل بنا


بريد القراء

 
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الثقافة والاعلام في منظمة بدر   2007