الاثنين  8 محرم   1430هـ   العدد(1166) السنة السابعة عشر   Mon 2008/1/5  -17th year

 

أثر العترة في بقاء الإسلام

قال الله سبحانه و تعالى في كتابه الكريم :
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
و قال تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
و قال عَزَّ مِنْ قائل :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
و قال تعالى كذلك :
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا
مفاد الآيات :
إن هذه الآيات قد أشارت إلى أمور هامة ، نذكر منها ما يلي :
الأمر الأول :
أنها قد حددت مهمات النبي ( صلى الله عليه و آله ) ، و من سبقه من الأنبياء بما يلي :
ألف : تلاوة آيات الله سبحانه على الناس الذين بعث إليهم و فيهم .
ب : تزكية نفوسهم ، و تصفيتها من كل الشوائب التي علقت بها ، بسبب الشرك و الانحراف . و إعادة الفطرة إلى سابق نقائها ، و سلامتها ، و طهرها .
ج : تعليمهم الكتاب بكل ما فيه من شرائع ، و أحكام ، و عقائد ، وسياسات ، و أخلاق ، و سلوك ، و عبر ، و حقائق ترتبط بكل ما في الكون و الحياة .
د : تعليمهم الحكمة ، التي جُعِلَ تعليمها عدلاً لتعليم الكتاب . و هي تعني الوقوف على الحقائق و الدقائق و التفاصيل ، ليمكن للإنسان أن يحسن التقدير ، و ليستلهم عقله و قلبه صواب الحكم ، و صحة العمل : الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .
و : أن يضع عنهم إصرهم [ أي ثقلهم ] ، و الأغلال التي كانت عليهم .
الأمر الثاني :
قد ذكرت الآيات الكريمة : أنه إذا ما واجهت الأنبياء التحديات في مهماتهم تلك ـ و لابد أن تواجههم ـ فقد أنزل الله الحديد فيه بأس شديد و منافع للناس ، ليكون هذا الحديد مفيداً في حل أي مشكل ، و إزاحة أي خطر .
و قد روي عن علي ( عليه السلام ) قوله : “ الخير كله في السيف . و ما قام هذا الدين إلا بالسيف . أتعلمون ما معنى قوله تعالى : ... وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ... ؟! هذا هو السيف " .
بل إن نفس الآية المتقدمة التي ذكرت إنزال الحديد قد عقبت ذلك بالقول :
... وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ... .
ثم خلصت إلى القول :
... إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ في إشارة صريحة إلى الحاجة إلى التذكير بقوة الله و بعزته ، و في صراحة لا لُبس فيها بالحاجة إلى نصر الناس للرسل في مهماتهم التي يتصدون لها ، و في مواجهة التحديات و الأزمات .
و هذا النصر للرسول هو الذي أشارت إليه أيضاً آية سورة الأعراف ، حيث قررت أنه لا بُدَّ من الاتباع ، و التعزير [ أي التوقير ] و النصر حين تمس الحاجة إلى ذلك .
إذن ، فهناك سلطة ذات قوة ، يكون الحديد أحد وسائلها في مجال التنفيذ ، و لا يقتصر الأمر على مجرد التبليغ للأحكام ، و التعليم لها .
الأمر الثالث :
لقد ذكرت الآيات أيضاً : أن مسؤولية النبي ( صلى الله عليه و آله ) لا تنحصر بالذين عاصروه ، بل تتعداهم إلى آخرين من الأميين لما يلحقوا بهم ، فهو رسول الله للبشرية جمعاء منذ بعثته ، و إلى يوم القيامة .
فهو يتحمل إذن مسؤولية هدايتهم ، و رعايتهم ، و تزكية نفوسهم ، و تطهير أرواحهم ، و تعليمهم الكتاب و الحكمة ، ثم أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر ، ثم أن يضع عنهم إصرهم ، و الأغلال التي كانت عليهم .
الأمر الرابع :
إن الهدف من إرسال الرسل بالبينات ، و إنزال الكتاب و الميزان ، ـ أي المعايير و الضوابط و الأحكام ، ليكون العمل وفق الحكمة ـ هو أن يقوم الناس أنفسهم بالقسط و العدل ، من موقع إحساسهم بالواجب ، و بالمسؤولية الرسالية و الإنسانية .
طبيعة التشريع الإسلامي :
و لكي تستكمل الفكرة عناصر وضوحها نشير إلى أن هذا الإسلام العزيز إنما يهدف إلى إرجاع الإنسان إلى فطرته ، و تطهيرها من شوائب الانحراف ، ثم صياغة خصائصه الإنسانية بالنحو الذي يحقق الأهداف الإلهية التي يؤهله الله لها .
إنه يريد أن يتدخل في كل شؤون هذا الإنسان ، و أن يهيمن حتى على نواياه ، و خلجات نفسه ، و على عواطفه ، و مشاعره ، و أحاسيسه ، و تصوراته ، فضلاً عن روحياته ، و كل خصائصه ، و ميزاته .
إنه يريد منه أن يواجه التحدي ليس في مجال الأمن و الدفاع و حسب ، و إنما في السياسة ، و الاقتصاد ، و التربية ، و العلاقات ، و في مختلف مجالات الحياة أيضاً .
إنه يريد منه أن يطبق نظام عقوبات صارمة ، على قاعدة : النفس بالنفس والعين بالعين . و أن يقطع اليد ، و الرجل ، و أن يسجن ، و يجلد ، و ينفي ، و يصادر ، و أن يكبح جماح أصحاب الأهواء ، و محترفي الجريمة ، بل إن عليه أن يمنع الانحراف من الظهور في كل محيطه . .
هذا كله عدا عن جهاده للمستكبرين ، و إحباط كيد العتاة و الجبارين .
و أهم من ذلك كله هو مواجهته لشهواته ، و غرائزه و أهوائه ، و طموحاته ، و رفض كل المغريات التي تحيط به ، و ما أشدها من مواجهة ، و أعظمه من جهاد ، هو الجهاد الأكبر الذي يصغر عنده كل جهاد بالسيف ، حتى في بدر العظمى !!
هذا هو السؤال :
و قد اتضح مما سبق أن المقصود من تعليم النبي ( صلى الله عليه و آله ) للكتاب ليس هو مجرد تلاوة ألفاظه على مسامعهم ، بل المراد تفهيمهم شرح معانيه و حقائقه ، و بيان مراميه و دقائقه . لأن مغزى هذا التعلم هو خروج الناس من الضلال المبين إلى الهدى ، كما صرحت به الآية الشريفة نفسها ، و هذا كله يدفع السؤال التالي إلى الواجهة ليقول :
أين هو تعليم رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) للكتاب ، الذي هو تبيان لكل شيء ؟! و أين هي بياناته لحقائقه و دقائقه . و لإشاراته و دلائله ؟
و أين هي الحكمة التي جعلها الله عدلاً للكتاب ، و قد علمها ( صلى الله عليه و آله ) للناس ؟! فهل تجد في كتب المسلمين من هذه الحكمة ، و من تعليم للكتاب ، ما يكفي لتطبيق هذه الآية الكريمة ، و تجسيد معناها ، بالنسبة لمن عاشوا مع النبي ( صلى الله عليه و آله ) و عاصروه ؟! فضلاً عن الآخرين الذين لما يلحقوا بهم ـ و هم أجيال كثيرة جداً ، متعاقبة ، و متلاحقة إلى يوم القيامة ـ و هو مبعوث إليهم جميعاً أيضاً ، و هم جزء من مهمته و مسؤوليته . فكيف استطاع ( صلى الله عليه و آله ) أن يقوم بهذا الواجب ، و أن ينجز مهمته تجاههم . من تلاوة الآيات عليهم ، و تزكيتهم ، و تربيتهم ، و رعايتهم ، و تعليمهم الكتاب ، و تعليمهم الحكمة ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فيهم ، و وضع الإصر عنهم ، و الأغلال التي تكون عليهم ؟! و هو الأمر الذي يحتم عليهم مواجهة طواغيت العصور المتعاقبة ، و كل الجبارين و العتاة ، فكيف واجههم ( صلى الله عليه و آله ) . و فرض الهيمنة الإيمانية عليهم ، و استفاد من الحديد و من البأس الشديد في أوقات الشدة ، و الخطر الداهم ، عبر الأجيال المتلاحقة ؟!
قبل أن نجيب على هذا السؤال نقول :
إذا كانت طبيعة هذا الدين تحتم فرض هيمنة قد تحتاج إلى الاستفادة من الحديد لأجل إنجاز المهمات الجسام ، و صيانة المنجزات ، و كان المتولي لفرض هذه السلطة في حياة النبي ( صلى الله عليه و آله ) كان الخلاف في أمر الإمامة و السلطة و الهيمنة قد ظهر بصورة عنيفة و قاسية ، بل كان أعظم و أخطر خلاف في الأمة ، حتى ليقول الشهرستاني :
" و أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية ، مثلما سُلَّ على الإمامة في كل زمان “ .
و يقول البعض أيضاً : إن ترك أمر الإمامة من دون حل ( !! ) كان “ سبباً لأكثر الحوادث التي أصابت المسلمين ، و أوجدت ما سيرد عليكم من أنواع الشقاق و الحروب المتواصلة ، التي قلَّما يخلو منها زمن ، سواء أ كان بين بيتين ، أو بين شخصين “ .
و إذا كان أمر الإمامة حساساً و خطيراً إلى هذا الحد ، فكيف يمكن أن نتصور أن يكون الله و رسوله ( صلى الله عليه و آله ) قد تركاه من دون حل ، خصوصاً و أن الله هو الذي يقول : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ .
الجواب القرآني :
على أن الإجابة على ما طرح من تساؤل ، تتضح بصورة أتم بالعودة إلى القرآن الكريم حيث نجد فيه الإجابة الكافية و الوافية فهو تعالى يقول :
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ .
فإن هذه الآية قد نزلت في مناسبة إعلان يوم غدير خم ، فيما رواه المسلمون بطرق كثيرة ، و متواترة .
و قد أظهرت هذه الآية الكريمة : أن هذا البلاغ المطلوب يصادم توجهات كثير من الناس ، و أن نصيبه منهم هو الرفض الشديد إلى درجة احتاج النبي ( صلى الله عليه و آله ) معها إلى العصمة و الحفظ منهم .
و أظهرت أيضاً : أنه بلاغ شديد الخطورة ، بحيث لولاه لم يمكن للرسول ( صلى الله عليه و آله ) تهيئة سبل إنجاز مهمته ، التي هي أساس و عنوان رسوليته ... وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ... .
و لاسيما بالنسبة لمن يأتون بعده ، مع أنه مبعوث إليهم ، كما يشير إليه قوله تعالى : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ... . و قد قلنا : إن تلك المهمات هي تلاوة الآيات عليهم ، و تزكيتهم ، و تعليمهم الكتاب و الحكمة ، و إلخ . .
بل إنه ـ بدون هذا البلاغ ـ لا يكون قد حقق الإنجاز المطلوب منه حتى بالنسبة للأمم التي عاصرته ، بل و حتى بالنسبة للذين أسلموا معه ، و صاروا صحابته ، و الذين أظهر القسم الأعظم منهم الإسلام بعد فتح مكة في السنتين التاسعة و العاشرة ، أي قبيل وفاته ( صلى الله عليه وآله ) . حيث بدأت القبائل في سنة تسع توفد جماعات منها لإعلان الإسلام و الولاء ، فسميت تلك السنة بـ “ سنة الوفود " .
ثم توفي النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، و لم يكن الإسلام قد تجذر أو استحكم في قلوب الكثير من هؤلاء الناس . فحاول أهل مكة أن يرتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لكن سهيل بن عمرو قام فيهم ، و نصحهم ، و ذكّرهم بوعد النبي ( صلى الله عليه و آله ) بأن كنوز كسرى و قيصر ستفتح لهم ، فثبتهم بذلك .
و هذا موقف محمود و مشكور لسهيل .
و لو أنهم مضوا في ردّتهم لحدثت كارثة حقيقية على مستوى المنطقة بأسرها ، و بالنسبة لمستقبل هذا الدين . و لكن الله سلَّم ، و له المنة و الحمد .
خلاصات و بيان :
و خلاصة الأمر : أن هذا البلاغ ، الذي احتاج الرسول ( صلى الله عليه و آله ) معه إلى العصمة ، و الحفظ الإلهي من الناس كان جزءاً من الخطة الإلهية في نطاق تمكين النبي الأكرم ( صلى الله عليه و آله ) من القيام بمهماته الخطيرة في هداية الأمة ، و رعايتها من موقع رسوليته ، و مبعوثيته لها ، سواء في ذلك من عاصره ، أو من جاء بعده و هي هداية أراد الله سبحانه و تعالى أن تكون له من خلال الرعاية و التنئشة الهادية ، وفق المعايير التي توصل إلى الأهداف الإلهية التي أراد الله سبحانه للأمة أن تصل إليها ، و ذلك بدءاً بالتزكية ، ثم بتعليم الكتاب ، و تعليم الحكمة ، و انتهاءً بحراسة الواقع الإيماني ، و صيانته بالأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و إقامة شرع الله سبحانه ، من موقع الهيمنة و السلطة ، حيث يكون الحديد بما فيه من بأسٍ شديد ، وسيلة صيانة للحق ، و سبب حفظ للدين .
التصريح و التوضيح :
و لكي تصبح الفكرة أكثر وضوحاً و تألقاً نقول :
لأن الإسلام بما له من مواصفات و خصوصيات ، و شؤون و حالات ، ثم بما له من شمولية و عمق ، و ما يحتاج إليه من ظروف و مناخات و قدرات و وسائل و أدوات .
و لأن هذا النبي الكريم ( صلى الله عليه و آله ) مبعوث للناس جميعاً ، سواء في ذلك من عاصره ممن أسلم ، أو لم يسلم ، و من جاء بعده من الأمم إلى يوم القيامة .
و لأن مهمته ( صلى الله عليه و آله ) لا تنحصر ببلاغ الأحكام الشرعية ، و بعض التفاصيل الاعتقادية ، بل تتعدى ذلك إلى تزكية نفوسهم ، و تصفية أرواحهم ، و تعليمهم الكتاب و الحكمة ، و إقامة شرائع الله و أحكامه ، و نشر بيارقه ، و أعلامه .
و لأن طبيعة التشريع ، و خصوصيته ، و طبيعة التحديات التي ستواجه هذا الدين . تفرض امتلاك قدرات عملية ، فربما يكون الحديد بما فيه من بأسٍ شديد أحد مظاهرها .
نعم ، من أجل ذلك كله ، و سواه ، مما تقدمت الإشارة إليه ، جاءت الخطة الإلهية متناسبة مع طبيعة الهدف ، ومنسجمة مع حقائق الإسلام والإيمان ، ومنطلقة منها ، و توصل و تنتهي إليها . . فكان بلاغ الناس لذلك الأمر الذي يعني فقده أن يفقد الإسلام كينونته ، و يخسر حياته الفاعلة و المؤثرة : ... وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ... .
و كان هذا البلاغ يحتاج إلى العصمة الإلهية أيضاً ، فكيف بما بعد هذا البلاغ ؟!
الاختيار الطبيعي :
و كان أهل البيت ( عليهم السلام ) هم عنوان هذا البلاغ ، و مداه . و هم روحه و حياته ، و محتواه إذ بجهادهم و جهدهم ، و قيادتهم للأمة ، يتحقق الإنجاز الكبير ، و الخطير ، و يكون بقاء هذا الدين ، و ذلك لأنهم :
1- هم التجسيد الحي للنموذج الخالص ، و المرآة الصافية التي تعكس الإسلام : عقلاً ، و روحاً ، و أحاسيس ، و مشاعر ، و ميزات ، و خصائص ، ثم نهجاً و موقفاً ، و حركة ، و سلوكاً . و كيف لا ، و هم الذين أذهب الله عنهم الرجس ، و طهرهم تطهيراً ، و هم صفوة الله من خلقه ، و خيرته من عباده .
2- إنهم أهل بيت النبوة ، و معدن الرسالة ، و هم عيبة علم رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) ، و هم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما . و هم أيضاً سفينة النجاة و مصباح الهدى .
و من خلال هذين الأمرين تبرز أمام أعيننا حقيقتان :
إحداهما : أن هذين الأمرين يمكّنان أهل البيت من إنجاز مهمة التزكية الروحية ، و تصفية النفوس ، و تطهير الفطرة و تخليصها من كل الشوائب التي علقت أو تعلق بها .
الثانية : إن هذه المعرفة الهادية ، و العلم الزاكي ، المتدفق من منبعه الأصفى ، هو الذي يرفد الفكر ليتحرك وفق الضوابط و المعايير ، التي لا يتنكر لها ، و لا يشذ عنها . لينتج الوعي و الهدى و الصلاح في الأمة كلها .
فالرسول يستطيع بهذه الطريقة أن يحفظ للأمة المبعوث إليها حقها في تعلم الكتاب و الحكمة ، و في التزكية الروحية ، و في إقامة شرع الله ، و في وضع الإصر و الأغلال عنهم . و يعمل على نشر أحكام الدين ، و شرائعه في الوقت المناسب ، و بالأسلوب و الطريقة المناسبة .
و يكون بلاغ الرسول هو ذلك القرار الإلهي بإعطائهم ( عليهم السلام ) حق ممارسة الحاكمية ، و يحمِّلهم ـ من ثم ـ مسؤولية الرعاية ، و الهداية ، و التزكية ، بكل ما لذلك من مسؤوليات ، و مستلزمات ، و من آثار و تبعات .
و هذا يستبطن إلزام الأمة بالطاعة و بالتسليم لهم ، و هم الأئمة الأطهار ، الإثنا عشر ( عليهم السلام ) ، و الثقل الذين لن يضل من تمسك بهم و بالكتاب ، و هم سفينة النجاة . التي تحمل هذه الأمة إلى ساحل الأمان ، لتسير باطمئنان في دروب الخير ، و الهدى ، و الصلاح ، و السداد .
و ذلك هو ما نفهمه من تلك الآيات الكريمة و المباركة . و خصوصاً قوله تعالى :
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ .
عصمنا الله جميعاً من الزلل و الخطأ ، في الفكر ، و في القول و العمل ، إنه ولي قدير ، و بالإجابة حري و جدير.

أسئلة في السيرة والثورة الحسينية
الحلقة 3

 * هناك من يقول : لماذا تبكون على الحسين مع أن النبي قد نهى عن البكاء والنياحة ؟ إننا نجد أن الشيعة يقومون في موسم محرم بذلك مع أنه غير مشروع ؟
الجواب : بالنسبة إلى مسألة البكاء سوف ننقل ـ مع شيء من الترتيب ـ في البداية رأي أحد علماء العامة وهو ابن قدامة المقدسي ـ حنبلي المذهب ـ من كتابه المغني فقد كتب :
( مسألة ) قال ( والبكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة ) أما البكاء بمجرده فلا يكره في حال وقال الشافعي يباح إلى أن تخرج الروح . ولنا ( في أن البكاء غير مكروه ) ما روى أنس قال شهدنا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان .
وقبّل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت ورفع رأسه وعيناه تهراقان .
وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب وان عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان ..
وانه دخل على ابنه ابراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن ابن عوف وأنت يا رسول الله ؟ فقال ( يا ابن عوف انها رحمة ) ثم اتبعها بأخرى فقال ( ان العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون ) متفق عليهما .
 وأما الندب فهو تعداد محاسن الميت وما يلقون بفقده بلفظ النداء لانه يكون بالواو مكان الياء وربما زيدت فيه الالف والهاء مثل قولهم وارجلاه واجبلاه وانقطاع ظهراه وأشباه هذا والنياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب وضرب الخدود والدعاء بالويل والثبور ، فقال بعض أصحابنا هو مكروه ، ونقل حرب عن أحمد كلاما فيه احتمال اباحة النوح والندب اختاره الخلال وصاحبه لان واثلة بن الاسقع وأبا وائل كانا يستمعان النوح ويبكيان ، وقال احمد : إذا ذكرت المرأة مثل ما حكي عن فاطمة في مثل الدعاء لا يكون مثل النوح يعني لا بأس ، به وروي عن فاطمة رضي الله عنها انها قالت : يا أبتاه ، من ربه ما أدناه ، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه ، يا أبتاه أجاب ربا دعاه . وروي عن علي رضي الله عنه أن فاطمة رضي الله عنها أخذت قبضة من تراب قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوضعتها على عينها ثم قالت :
 ماذا على مشتم تربة أحمد     
        أن لا يشم مدى الزمان غواليا
 صبت علي مصيبة لو أنها      
         صبت على الايام عدن لياليا
 وظاهر الاخبار تدل على تحريم النوح وهذه الاشياء المذكورة لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها في حديث جابر لقول الله تعالى ( ولا يعصينك في معروف ) قال أحمد هو النوح . ولعن النبي صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة ، وقالت أم عطية : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيعة أن لا ننوح متفق عليه وعن أبي موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى  الجاهلية ) متفق عليه ، ولان ذلك يشبه الظلم والاستغاثة والسخط بقضاء الله
 وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ( ان الميت يعذب في قبره بما يناح عليه ) وفي لفظ ( ان الميت يعذب ببكاء أهله عليه ) وروي ذلك عن عمر وابنه والمغيرة ، وهي أحاديث متفق عليها . واختلف أهل العلم في معناها فحملها قوم على ظواهرها وقالوا يتصرف في خلقه بما شاء ، وأيدوا ذلك بما روى أبو موسى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول واجبلاه واسنداه ونحو ذلك إلا وكل الله به ملكين يلهزانه أهكذا كنت ؟ ) قال الترمذي هذا حديث حسن .
وأنكرت عائشة رضي الله عنها حملها على ظاهرها ووافقها ابن عباس ، قال ابن عباس : ذكرت ذلك لعائشة فقالت : يرحم الله عمر ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ان الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ) ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ) وقالت : حسبكم القرآن ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) قال ابن عباس عند ذلك والله أضحك وأبكى وذكر ذلك ابن عباس لابن عمر حين روى حديثه فما قال شيئا رواه مسلم .
فتحصل أن استدلالهم على عدم جواز الندب :
1/ بما رووه من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . ويعضده ما روي ( ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول واجبلاه واسنداه إلا وكل الله به ملكين يلهزانه أهكذا كنت ؟
2/ بما ذكروه من  لعن النبي النائحة والمستمعة .
3/ وبأنه يشبه التظلم والاستغاثة والسخط بقضاء الله .
ولا يخفى على المتأمل ما فيها ، فأما ما ذكر من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فقد كفانا مؤونةَ رده ، ما قالته عائشة .. وأن معناه غير مقبول من الناحية الإسلامية ومخالف للقرآن فإما أن يكون راويه واهما في النقل أو الاحتمال الآخر .. كما أن مقتضاه أن يعذب ـ والعياذ بالله ـ مثل الشهيد جعفر بن أبي طالب الطيار لأجل بكاء النبي صلى الله عليه وآله عليه ؟؟ أو يعذب النبي ـ والعياذ بالله ـ وهو سيد الخلائق ببكاء الصديقة الزهراء عليها السلام عليه ؟؟
بل يستطيع ـ على هذا ـ شخص من الأحياء أن يزيد في عذاب ميت من أقاربه كان يعاديه بأن ينوح عليه حتى يكثر عذابه ، ويزيد .. وهو كما ترى !!
وأما ما ذكر من لعن النائحة لو ثبت فهذا يفسره ما رووه ( ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول ..) ومعناه لو تم صدوره عن النبي أن النياحة بالكذب غير جائز ، باعتبار أن الكذب غير جائز سواء كان بنحو النياحة أو الفرح أو الحديث العادي ، فهنا لا موضوعية للنياحة وإنما النهي منصب على موضوع الكذب فيها . والشاهد فيه قول الملكين : يلهزانه : أهكذا كنت ؟  فإن كانت النياحة والندب بالصدق فلا معنى للهز الملائكة .. لأنه ليس بكذب ! وما ذكر في تفسير الآية ( ولا يعصينك في معروف ..) قال أحمد هو النوح .. ونقول هو يُحمل على النوح بالباطل والكذب .
 وأما أنه يشبه التظلم والاستغاثة والسخط بقضاء الله ، فبين هذا وبين النياحة عموم من وجه، أي قد يكون تظلم وسخط بقضاء الله من غير نياحة ، وقد تكون نياحة من غير تسخط بقضاء الله ، وقد تكون نياحة مع التسخط .. وهنا لا يتم الاستدلال بالمنع إلا في مورد الاجتماع لا عموم النياحة كما هو واضح  ..
هذا عند جمهور المسلمين ، وأما عند  أتباع أهل البيت عليهم السلام  فيجوز البكاء والنياحة على الميت . ويستدل عليه  :
ـ بأصل الإباحة فإنه مع الشك في أن البكاء أو النياحة حرام يأتي أصل الإباحة فضلا عما سيأتي من الأدلة على الجواز بل الاستحباب في بعض الحالات     .
ـ وبسيرة المعصومين عليهم السلام فإنهم بكوا على أمواتهم ـ ولو بحسب الظاهر عند الناس كيوسف ـ إذ  بكى نبي الله يعقوب على يوسف ، وواقعا كبكاء باقي المعصومين : فقد بكى النبي صلى الله عليه وآله على إبراهيم ابنه ، وعلى أمه عندما زار قبرها فبكى وأبكى ، وأمر أن يبكى على حمزة سيد الشهداء بعد واقعة أحد ، وأظهر تأسفه على أن حمزة لا بواكي له ، فلما رأت نساء الأنصار ذلك كن لا يبكين قتلاهن حتى يبدأن بحمزة ، تقول أم سعد : إلى يومنا هذا .  وبكى علي أمير المؤمنين عليه السلام على أمه فاطمة بنت أسد ، وبكت فاطمة الزهراء على أبيها ، وبكى علي والحسنان على الزهراء عليهم السلام ، وعلي بن الحسين على أبيه الحسين عليهم السلام .. وباقي الأئمة على الحسين مما يجده المتتبع لحياتهم صلوات الله عليهم .
ـ وبسيرة المتشرعة المتصلة والممضاة من قبل المعصومين عليهم السلام ، فقد بكت الفاطميات وناحت على الحسين عليه السلام ، بمسمع ومرأى من زين العابدين عليه السلام، وأنشدت الرباب الشعر في رثاء الحسين عليه السلام ، وهو يسمع . وإنشاد الشعر من قبل الشعراء أمام الأئمة في حق الحسين عليه السلام كثير ويمكن مراجعته في  باب 104 من أبواب المزار في الوسائل .
ـ وبالروايات وهي كثيرة  كما في باب 87 من أبواب الدفن و 88 من كتاب وسائل الشيعة كتاب الطهارة للحر العاملي .
 بل ورد أنه لا مانع من البكاء حتى على غير المؤمن من الضُّلال .. إذا كان على وجه الرقة والحزن والأسف على مصيرهم . مما لا يعد تأييدا لطريقتهم كما في باب 89 من الوسائل ، وعليه يحمل ما فعله بعض أجلة العلماء مثل الشريف الرضي والمرتضى مع صاحبهما أبي إسحاق الصابي حيث رثاه كل منهما بقصيدة غراء .
نعم قد يعارضه أمور :
ـ منها ما في دعوى ( المبسوط) الإجماع على عدم جواز النياحة ، ولكنها كما ذكر الكثير دعوى غير مقبولة وتعجب بعضهم من دعوى الشيخ الاجماع على المسألة .. نعم لو أراد النياحة المذكورة التي تنتهي إلى الكذب ، فلا مانع من ذلك لكن المدعى غيرها .
ـ ومنها ما في جملة من الأخبار الناهية عن النياحة والجزع ففي رواية جابر ( .. ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقه ) وفي رواية أخرى ( النياحة من عمل الجاهلية) وما ورد من الإيصاء بأن ( لا تخمشي علي وجها ولا تشقي علي ثوبا ) وقد نقل هذا المضمون عن النبي والحسين عليهما السلام .
والجواب عنها أن الأولى ناظرة إلى النياحة الكاذبة التي كانت على زمان الجاهلية ، والثانية بأن بين ما ذكر ( خمش الوجوه وشق الثياب ) وبين النياحة عموما من وجه ، والكلام هو في النياحة التي لا يوجد فيها تلك الأمور .
ـ ومنها حسنة معاوية بن وهب ( لجهة أبي محمد الأنصاري فإنه لم يوثق بتوثيق خاص لكن مدحه محمد بن عبد الجبار في رواية في الكافي ) : كل الجزع والبكاء مكروه إلا الجزع والبكاء على الحسين عليه السلام .
فإنها بعمومها تدل على منع الجزع والبكاء مطلقا ، ويستثنى من ذلك الجزع والبكاء على الحسين عليه السلام ، وأما ماعداه فيبقى تحت المنع .. وقد وجهت بتوجيهات مختلفة مثل أن (مكروه ) هل هي بمعنى الكراهة الاصطلاحي أو بما يشمل الممنوع ؟ أو أن المكروه هو مجموع البكاء والجزع .. أو غيرها،  ومحلها في الفقه حيث لا يتسع المقام لبسط الكلام فيه.
أما النياحة والندبة على الإمام الحسين عليه السلام فيمكن الاستدلال عليها :
أولا : بما سبق من الأدلة الدالة على جواز البكاء والنياحة على المؤمن فكيف برأس الإيمان وإمام المؤمنين ؟
وثانيا : بما ورد من الروايات في خصوص هذا الموضوع : فمنها حسنة معاوية المتقدمة .
ومنها : صحيحة الفضيل بن يسار : من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.
وفي هذه الرواية إضافة إلى ذكر الثواب الكثير على البكاء مما يفيد ما هو أكثر من مجرد الجواز بل الاستحباب ، يستفاد منها جواز واستحباب ذكر الذاكر للأئمة ـ عموما وليس الحسين عليه السلام فقط ـ .
ومنها : صحيحة محمد بن مسلم : عن الباقر : كان علي بن الحسين عليه السلام يقول أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين حتى تسيل على خديه بوأه الله بها غرفا يسكنها أحقابا . وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فيما مسنا من الأذى من عدونا في الدنيا بوأه الله مبوأ صدق ..
وثالثا : بأن البكاء والنياحة على الحسين عليه السلام مما ينطبق عليه عنوان إحياء الدين، وأمر أهل البيت وهو في أدنى درجاته مستحب . فمنها صحيحة الفضيل ـ وقد تقدم شطر منها ـ ( تجلسون وتتحدثون ؟ قلت نعم ، فقال : إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا) .  

توصيات حول الخطاب السياسي
شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم(قدس)
موقع الحوزة العلمية من العمل السياسي

نتناول في هذا الفصل موضوعاً من الموضوعات الهامة، له ارتباط بموضوع المرجعية وحركتها، وارتباط العمل السياسي بالمرجعية من ناحية، وبالحوزة العلمية من ناحية أُخرى.
وهذا الموضوع هو الموقف العام الذي يتمثل في حركتنا السياسية تجاه الحوزة، فمنذ مدة طويلة ونحن نتصدى للعمل السياسي بشكل واسع وواضح، وكان لهذا التصدي آثار، ونتائج كبيرة، كما اقترن بتضحيات في سبيل الله، من أجل تحقيق هذه الآثار والأهداف، وهذا العمل الذي كنا نمارسه طيلة هذه الفترة، ما هي نظرته وموقفه تجاه هذه المؤسسة الشريفة، أي: مؤسسة الحوزة العلمية؟، ومن ثم ما هو الموقف الصحيح للعمل السياسي في الساحة الإسلامية تجاه الحوزة العلمية؟، وما هي نظرته؟ فهل هي نظرة صحيحة شرعية تنطلق من القرآن الكريم، والسنة الشريفة؟.
تمثل آية النفر الكريمة، وما قبلها قاعدة وأساساً ومنطلقاً لهذه النظرة، ونحن - في اتجاه الحوزة العلمية - نعتقد أن هناك مجموعة من المبادئ والأسس لابد أن تعتمد عليها هذه النظرة، وهذا الموقف تجاه الحوزة العلمية.
ومن ثم فأنه من الضروري جداً أن يكون هناك اهتمام في أوساط طلاب العلوم الدينية، ومدرسيها، والمؤسسات ذات العلاقة بها، بحيث تكون هذه النظرة واضحة لدى العلماء، والقادة في الحوزة، ولابد أن تكون نظرة واضحة لدى كل أوساط الحوزة، وتُربى أوساط الحوزة على ذلك.
وهذه نظرة مستنبطة ومنتقاة من الإسلام الحنيف، ومن التجربة الطويلة التي عشناها في ظل المرجعيات الرشيدة المتصدية في ساحتنا العراقية والإسلامية.
ومن هنا فأن من الضروري أن تتحول هذه النظرة إلى ثقافة عامة في أوساط الحوزة، ولاسيما عندما نرى أن هذه الحوزة تُهددها أخطار كثيرة من داخلها وخارجها؛ بسبب عدم وضوح الموقف والتصور العام عن الحوزة العلمية وموقعها.
وان من الضروري أن يكون هذا الموضوع من موضوعات البحث، والتداول في أوساط الفضلاء، والعلماء في الحوزة العلمية، فكما أن تفاصيل الشريعة الإسلامية هي موضع البحث والتداول في أوساط العلماء والفضلاء، وفي مجالسهم من الدروس العلمية، إلى الأبحاث الكتابية، والمطالعات، والمجالس، واللقاءات فهذا الموضوع لابد أن يكون من الموضوعات المهمة التي تطرح؛ لكي تصبح واضحة المعالم من خلال البحث العلمي، والدليل، والبرهان، والنص الشرعي، الذي يؤكد هذا المضمون.
وهنا أطرح المبادئ والأفكار مجردة عن أدلتها التفصيلية، مكتفيا بمقدار ما تكوّن في ذهني طيلة المدة السابقة من العمل والبحث والتصور، وهذا هو الشيء الصحيح الذي يمكن أن يدَعيه الإنسان تجاه النظرة والموقف العام للحوزة العلمية.

اروع ما قيل في الامام الحســـين( عليه افضل السلام )

أيها الناس .. إن الشهادة تزيد في أعمار المستشهدين، ألا ترون كيف أن “عبد الله الرضيع” يعد اليوم من كبار عظماء الرجال ؟
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة الاولى

اخبار محلية

اخبار وتقارير

شؤون عربية ومحلية

متابعات وتقارير

قضية ورأي

واحة

هموم الناس

ثقافة وأدب

أفاق اسلامية

الصفحة الرياضية

الصفحة الاخيرة

كاريكاتير

الارشيف

أتصل بنا

حديث بدر
في الصميم
خلف السطور
وقفة
وللحقيقة كلمة
ومضات
العمود الرياضي
أتصل بنا


بريد القراء

 
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الثقافة والاعلام في منظمة بدر   2007