|
غليان على نار
هادئة
انه رمضان.. يا تجارنا الافاضل
التجار نوعان لا
ثالث بينهما الاّ (منافق)، الأول هم اولئك الذين يتحلون بثقافة أبسط ما
يمكن أن نقوله عنها انهم يميزون بين الحلال والحرام ويراعون أحكام
الله، فينساقون على وفق ذلك لخدمة اخوانهم في الدين والانسانية بما
يوفرونه لهم من خدمات تجارية عبر أسواقهم ومحالهم ومجمعاتهم التجارية
المعمورة ببركات الله. ولا يتوقف أمثال هؤلاء التجار عند ذلك الحد من
الخدمة، بل انك لتجدهم يذهبون الى ما هو أبعد، فيساهمون بما أنعم، أو
بجزء مما أنعم به الله عليهم من خير وربح وفير، في مساعدة المحتاجين،
واعانة المعوزين، ويساهمون أيضاً، أو يؤسسون هم بأنفسهم مشاريع خيرية
تعبر في كثير من الاحوال حدود المدينة التي يعيشون فيها الى مدن وأمصار
اخرى بعيدة . انهم يزكون أموالهم ممتثلين لما امرهم به الله ، ويؤدون
حقوق الله، فيغنون اخوانهم، دون أن تعلم شمالهم , في كثير من الاحوال ,
بما أنفقت يمينهم, وهم بذلك يؤدون فروض الشكر لله سبحانه وتعالى عما
حباهم به من نعم . والتاريخ حافل بقصص وصور وأمثلة عن نماذج واسماء
لامعة من هؤلاء الكرام .أما النوع الثاني من التجار، فهم أولئك الذين
يقفون أو يسيرون في حياتهم باتجاه يعاكس تماماً اتجاه النوع الاول.
فهؤلاء هم من كونوا تجارتهم وجمعوا أموالهم بطرق لا شرعية شتى يكتنفها
الاحتيال، والنصب، والسحت، والغش، ولذلك فهم بعيدون عن التفكير في
انفاقها بما يصلح الانسان، بل تراهم يبعثرونها على موائد القمار،
والليالي الصاخبة، ومصاحبة اقران السوء، وعدم مراعاة الشريعة حتى في
التعامل مع ابنائهم وعوائلهم الذين يتركون لهم الغارب يوجهون سفنهم حيث
شاءت الريح، وأنّى رمت بهم (الصدفة)، وحيث اقتادهم ووجههم اصحاب السوء.
ان هؤلاء هم البخلاء على الله وعلى انفسهم وعلى عيالهم وعلى اخوانهم من
بني البشر، وهم خاسرون لدنياهم قبل آخرتهم ان لم يثبوا (وأغلبهم لا
يثبون) الى رشدهم .واذا كان من نوع أو صنف ثالث من التجار، فهم ليسوا
سوى اولئك الذين دخلوا معترك حياة هو ليس معتركهم، فصاروا دخلاء عليه
يتعاطون تجارات رخيصة يوهمون انفسهم بأنهم امتلكوا الخبرة والتجربة ،
في حين تظهرهم الحقيقة كمن ارتدى ثوب غيره فبدى عليه مهلهلا فضفاضا لا
يعود عليهم الا بسخرية الاخرين وتهكمهم ورفضهم . وخطر هؤلاء الاجتماعي
والاقتصادي لا يقل عن خطر النوع الثاني، فكلاهما يحمل معاول هدم
المجتمع والقضاء على أخلاقياته ومبادئه التربوية والاجتماعية السامية
التي جبل عليها ابناؤه عبر تراكم تجارب عسيرة مرت بها اجيالهم السابقة
ورسختها واورثتها للاتين بعدها .واحسب ان كثيرين ممن ينتمون الى النوع
الثاني والى صنف التجار المنافقين هم الذين يتحكمون اليوم بسوقنا
المحلية، متخذين من شتى الظواهر (الحقيقية اوالملفقة) أعذاراً لما
يقومون به من تصرفات واعمال تتنافى مع كل ما جاء به القرآن الكريم على
لسان نبي الرحمة محمد (ص)، ومن ابرز ما يطلعون به علينا، ويفاقمونه
عاماً بعد عام، هو زيادة الاسعار قبيل حلول شهر رمضان الفضيل، وكأنهم
وجهوا لمحاربة المؤمنين الصائمين الذين ينتظرون هذا الشهر المبارك
سنوياً ليغفر الله لهم ذنوبهم ويكف عنهم حياة البؤس والحرمان التي
عانوها في العراق لعقود طويلة من الزمن. ان رمضان أيها السادة التجار
الأفاضل، هو شهر الخير والبركة، وهو شهر الطاعة والعبادة والتقرب الى
الله، وقبل هذا كله فهو الشهر الذي اختصه الله تعالى لنفسه من بين
الشهور ,وان من أبسط وسائل التقرب الى الله في شهره الكريم اعانة
الناس، والفقراء منهم تحديداً، على صيامه وأداء واجباتهم العبادية
والروحية تقرباً الى الله جل في علاه .ان دروس رمضان الكريم غنية
بالحكمة والتعقل والهداية لمن اراد أن يتوب الى الله لينل رضاه.. وهذا
كلام أتمنى ان يدخل في أذن كل من لم يسمعه (من الأحياء) من قبل.. لكن
النار تحت الرماد تقول
ستسمع أنت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
اللهم انر دروبنا في رمضان بنورك , ومكنا من اداء حقوقك , وساعدنا على
الهداية لرضاك , اللهم آمين
فرات الدجيلي
|